مقال: تحوّلات السياسة الأميركية في المنطقة بين احتـواء إيـران وحمايـة إسـرائيل - بقلم: مازن السيد
تتحرك مكونات الملف النووي الايراني في الآونة الأخيرة، بخطى أكثر سرعة من أي وقت مضى منذ الانتخابات الرئاسية التي شهدتها طهران في حزيران 2009 وتبعتها أحداث ارتبطت بمحاولات غربية لزعزعة النظام الايراني انطلاقا من نقاط ضعفه الداخلية. وتتبدى هذه السرعة في تراكم العقوبات الدولية والاميركية والأوروبية على الجمهورية الإسلامية، بموازاة تحريك تركي - برازيلي للاتفاق الثلاثي حول تبادل الوقود النووي، واقتراب العودة إلى طاولات المفاوضات، مع الاتحاد الأوروبي على الأقل، في أيلول المقبل.
لكن الاتجاهات هذه، والتي تتسم بأطر لا تتعدى الضغط الاقتصادي الذي توازنه نظريا العودة المرتقبة إلى التفاوض، تقابل خيارات عسكرية بحتة، تكرر طرحها اسرائيليا وأميركيا بشكل لافت في المرحلة الأخيرة، مع الحديث عن تحولات في سياسة إدارة الرئيس الأميركي باراك اوباما ازاء الشرق الأوسط.
وفي مقال يعرض فيه ما يسميه «إعادة تقييم أميركية» لسياسات الشرق الأوسط، يتوقع المحلل الاسرائيلي لدى «معهد واشنطن» ايهود يعري، أن تتجه الولايات المتحدة نحو سياسة تركز على «التعاون مع اسرائيل وتفهمها... لجلب الفلسطينيين إلى المفاوضات المباشرة»، معتبرا أن واشنطن خلصت إلى أن «المحافظة على مسافة من اسرائيل، والدخول في معارك غير ضرورية معها، لن يقدم شيئا في عملية السلام».
لكنه بموازاة ذلك، يعتبر أن تحولا آخر قد طرأ على السياسة الأميركية في المنطقة، مؤكدا «أمتلك معلومات موثوقة تؤشر إلى أن المستويات العليا في الإدارة الأميركية، كمجلس الأمن القومي، والبنتاغون، ووزارة الخارجية، قد توصلت إلى خلاصة مفادها أن الولايات المتحدة لا تستطيع أن تتبنى خيار احتواء ايران نووية». ويوضح يعري أن خيار «احتواء» ايران في حال تعذر منعها من الحصول على النووي، كان مطروحا من قبل «لاعبين أساسيين في السياسة الخارجية الأميركية، لكنه أصبح خارج التداول».
وفيما يشير يعري إلى مواقف الدول العربية المجاورة لايران، والتي تكثفت مؤخرا مطالبتها واشنطن بالحؤول دول حصول ايران على القدرة النووية، حسبما يؤكد يعري، على أنها أحد الأسباب الأساسية في تحولات الموقف الأميركي نحو الحسم، يؤكد في الوقت نفسه أن «النافذة الزمنية» المحددة أميركيا لضرب ايران عسكريا، قد تمتد. غير أن الجوهري يبقي اتجاه الإدارة الأميركية نحو حسم ضرورة التدخل عسكريا في حال انتهاء المهلة المسموح بها، والتي يتم تحديدها حسب بنود الاجندة الأميركية والاسرائيلية اقليميا.
الباحث لدى مركز «غلوبال ريسرش» الكندي، أفني دوغرو، يشير إلى «التصعيد العسكري الأميركي والاسرائيلي في الخليج... مع وصول أسطول إضافي من سفن حربية عديدة، تقودها حاملة الطائرات هاري ترومان، لتوجيه ضربة محتملة إلى ايران»، ويحذر من التبعات الكارثية لتصعيد كهذا، والتي يتكرر الحديث عنها منذ عهد الرئيس الأميركي السابق جورج بوش، كحاجز أساسي أمام فتح واشنطن لجبهة اقليمية ثالثة في المنطقة بعد افغانستان والعراق.
إلا أن النقطة الأساسية التي يلفت إليها دوغرو، كتهديد أساسي للمصلحة الأميركية - الاسرائيلية في المنطقة، تتمثل في تدهور العلاقات التركية - الاسرائيلية، مذكرا بتقديم وزير الخارجية التركي احمد داود اوغلو 3 خيارات لاسرائيل: «الاعتذار عن اعتداء أسطول الحرية، أو القبول بلجنة تحقيق دولية، أو قطع العلاقات بين الطرفين». ويعتبر دوغرو أن «قطع العلاقات التركية - الاسرائيلية، وتصاعد احتمال توجيه ضربة عسكرية لايران، يشكلان تهديدا كبيرا للمصالح الأميركية في المنطقة»، محذرا من «ضياع الفرصة الأخيرة لدى واشنطن، في إقناع العالم الإسلامي بأن سياسات عصر بوش قد انتهت».
وعند هذا المفترق لطرق السياسة الاميركية في المنطقة، الذي يرتسم بين خيارات التصعيد العسكري بمواجهة ايران، والعودة إلى التناغم الكامل مع التوجهات الاسرائيلية، من جهة، او رأب الصدع التركي - الاسرائيلي وإعطاء الفرصة للحلول الدبلوماسية في الملف الايراني، من جهة أخرى، يشير يعري إلى تحول أميركي ازاء الملف العراق، حيث «بدأت نغمة جديدة» تصدر «فجأة» عن البيت الأبيض، فحواها أنه «صحيح اننا سننسحب من العراق لكننا نحتاج لقوات من الأمم المتحدة». ويوضح بالقول إن هذه القوات ستتكون أساسيا من جنود أميركيين لأنهم لا يريدون «حكومة عراقية يؤثر فيها ويرعاها، الجيران الايرانيون، وسيتأكدون من عدم حصول ذلك».
شهر أيلول المقبل، الذي يتزايد الحديث عنه بالموازين المحلية اللبنانية، سيكون وما حوله، محطة إقليمية لعدد كبير من الملفات المحورية، من الملف النووي الايراني، إلى المفاوضات الاسرائيلية - الفلسطينية، التي سيتم «تقييمها» في أيلول كما تؤكد سلطة رام الله، مرورا بالأزمة الحكومية العراقية وآفاق «الانسحاب الاميركي الافتراضي». عندها قد يتضح أن حقبة أوباما «الدبلوماسية» الاولى انتهت لتعود أميركا إلى خياراتها الأكثر عنفا، لكن ما قد يتبدى، هو ان خريطة المنطقة تبدلت أيضا بتبدل سياسات أنقرة، التي امست تحمل مفاتيح كثيرة لأبواب الملفات الإقليمية كلها.
السفير

