مقال: ماذا وراء تهديدات إسرائيل بشن عدوان جديد في المنطقة؟ - بقلم: حسن حسن
الجدال الواسع حول احتمالات اندلاع حرب جديدة في المنطقة قد يشنها جيش الاحتلال ، انتظم أخيراً في إطار وجهتي نظر أساسيتين: الأولى، ترى أن التصريحات والتهديدات الإسرائيلية التي تطلق بموازاة التحضيرات الميدانية ليست أكثر من«حرب نفسية» وعملية ابتزاز هدفها تعميق الخلافات العربية،فيما تميل الثانية إلى أخذ المسألة على محمل الجد، واعتبار أن ما يحدث تحضير حقيقي لمسرح المعركة المقبلة.
معطيات وحيثيات الرؤية الأولى التي تحاول تنفيس الاحتقان الذي تشيعه التهديدات والتحضيرات الصهيونية، يبدو كأنها تتوكأ على تجربةالعدوان على لبنان صيف 2006، ونتائجها وتداعياتها التي أسقطت أسطورة «الردع الإسرائيلي» وحولت الجبهة الداخلية والمدن والبلدات الصهيونية إلى أهداف لصواريخ «حزب الله»وأفضت إلى تشكيل لجنة تحقيق داخلية ( لجنة فينوغراد) حاولت تحديد مواضع التقصير والخلل، ورسم« خريطة طريق» جديدة للحرب المقبلة، كما تستند كذلك إلى الثغرات التي كشفتها محاولات ترميم قوة الردع الإسرائيلية بما فيها عمليات التسلح المكثفة ،ونشر منظومة صواريخ مضادة للصواريخ(القبة الحديدية)، والمناورات العسكرية وعمليات الدفاع المدني، ناهيك عن النتائج الكارثية التي يمكن أن تتسبب بها أي حرب إسرائيلية مقبلة، سواء أكانت ضد إيران التي أعلنت أكثر من مرة أن ردها سيكون ساحقاً، أم كانت ضد حزب الله ، التي يقدر وزير الحرب الإسرائيلي ايهود باراك أن تكون قدراته الصاروخية «تجاوزت عتبة الأربعين ألف صاروخ منذ زمن».
ومع ذلك،يصعب الاستخفاف بحقيقة أو خلفية الحراك العسكري، والميداني الإسرائيلي، وتجاهل الربط ما بين التحضيرات والتدريبات العسكرية المشتركة مع الأميركيين، والمستقلة، وتجارب نظام« القبة الحديدية» المضادة للصواريخ، وتمرينات الجبهة الداخلية الإسرائيلية على حرب الصواريخ الجرثومية والكيماوية، أو التهديدات باجتياح قطاع غزة ثانية وإعادة السيطرة على محور الحدود مع مصر، وترك الأميركيين بطاريات عدة مضادة للصواريخ في«إسرائيل» بعد المناورات المشتركة قبل فترة، فضلاً عن تخزين معدات وذخيرة أميركية بقيمة 800 مليون دولار في«إسرائيل» ، وارتفاع منسوب التصريحات والتحليلات والدراسات التي تشير إلى أن القرار الأميركي- الإسرائيلي بضرب إيران بات قاب قوسين أو أدنى، إن لم يكن قد اتخذ بالفعل.
وبالتالي، يمكن الاستنتاج أن ما يحصل من مناورات سياسيةليس أكثر من عملية نشر ستار من دخان التضليل الاستراتيجي، بهدف تأمين ظروف عامل المفاجأة في الضربة الاستباقية المقبلة. على أن الهدف الأكبر لإسرائيل يبقى إيران. ولأن تل أبيب لا تستطيع شن ضربات عسكرية ضد المنشآت النووية الإيرانية من دون موافقة الولايات المتحدة وتأييدها ودعمها، فإن التعمق في الإشارات الأميركية الأخيرة حيال هذه القضية يكتسب أهمية استثنائية. ويبدو أن الأبرز في هذه الإشارات اثنتان، الأولى اعتراف قائد القوات الأميركية في العراق وأفغانستان الجنرال ديفيد بترايوس بوضع الولايات المتحدة خططاً عسكرية في شأن المنشآت النووية الإيرانية « تتضمن عمليات قصف»، والثانية، ممارسات السياسة الاميركية بعد قمة واشنطن بين أوباما ونتنياهو التي لم تبق كما كانت قبلها، إذ يرجح أن تطغى عليها السرية والغموض الذي قد يكون «غير بنّاء» وهذه الممارسات ستكون شديدة الشبه بتلك التي استخدمتها إدارة بوش، لكن مع كل العدة الدبلوماسية «الناعمة» التي برعت فيها إدارة أوباما.
في الإشارة الأولى المتعلقة بتصريحات بترايوس، يمكن القول إنه ، وعلى رغم عدم غياب المخططات العسكرية ضد إيران يوماً عن طاولات البنتاغون، إلا أن إطلاقه، وفي هذه المرحلة الحرجة بالذات، يكتسب أهمية خاصة، لاسيما أنه يتعاون بقوة مع الرغبات الإسرائيلية، وينهل من معين المشهد الأميركي بعد إظهار استطلاع للرأي أجراه مركز «بيو» لاستطلاعات الرأي في واشنطن على عينة من1500أميركي، أن 63 بالمئة من الأميركيين يساندون سياسة التفاوض المباشر بين واشنطن وطهران بشأن برنامجهم النووي، غير أن 61 بالمئة من المستطلعة آراؤهم ذهبوا إلى أن منع إيران من إنناج أسلحة نووية ، حتى لو تطلب شن عمليات عسكرية ضدها، أهم من السعي لتفادي نزاع عسكري معها، أما بالنسبة إلى الإشارة الثانية، فإن ما يلفت هو التشديد على أن القرار الصهيوني بشن الهجوم اتخذ بالفعل. في رسالة للعالم أجمع مفادها أنه إذا لم يتحرك هذا العالم بسرعة لتطويق إيران بعقوبات مشددة وكافية، فإن تل أبيب ستتصرف، وأن خيارها العسكري لن يغيب عن المائدة.
الثورة

