مقال: بين المفاجآت والخيبات! - بقلم: محمد صادق الحسيني
لا أحد في إيران يستشعر بقرب حصول معركة أو قيام حرب ضد بلاده، لكن الجميع يترقب ما يجري من حول بلاده من تحركات مشبوهة كما يترقب بدقة حركة الرئيس أحمدي نجاد الذي بات أشبه بالترموميتر الذي يكشف درجة حرارة العدو الواحد بعد الآخر كلما اقترب أحدهم من سياج الوطن، في الوقت نفسه الذي يخوض فيه معارك طاحنة وقاسية ضد (المرجفون في المدينة) دون هوادة!
صحيح أنه لا ينفك عن مد يده لمحاورة المجتمع الدولي لحل ما يسمونه زوراً وبهتاناً بمعضلة الملف النووي الإيراني
لكنه يشترط على الدوام حواراً على قاعدة تكافؤ الفرص وآخر ما تبلورت عنه تلك المحاولات المبادرة التركية – البرازيلية للتبادل والتي أحرجت المفاوض الغربي حتى أعجزته الحيلة لتجاوزها!
لكنه ومن جانب آخر فإن الكل يعمل على قدم وساق للمعركة الفاصلة والشاملة المرتقبة منذ مدة بين مشروعين متناقضين تماماً، والدبلوماسية العامة والحروب الإعلامية والنفسية والاستخبارية من الوزن الثقيل أعمدة إستراتيجية في هذا السياق!
ينطبق هذا على الدول الاستكبارية العظمى كما على الدول والقوى الساعية نحو الاستقلال الناجز ومنها حركات التحرر العربية المقاومة وفي طليعتها المقاومتان الفلسطينية واللبنانية!
يقطع العالمون بأسرار منازلة العصر الكبرى المرتقبة هذه بأنها لن تكون هذه المرة أحادية بل إنها سترخي بظلالها على الجميع، وما من طرف سيتعرض لاعتداء إلا وسيهب الجميع لمساندته وسيكون الرد قاسياً وشاملاً ومؤذياً في الصميم!
صحيح أن زمن إعلان الحرب الشاملة والفاصلة هذه لم يعد تحديده سهلاً بعد تكرر الخيبات لدى المعتدين، لكن رائحة البارود ولاسيما تلك المتعلقة بالفتن النتنة باتت تزكم الأنوف!
الاستكبار هو الآخر يعرف أن وقت المنازلة الكبرى لم يحن بعد، لكنه يريد الإيحاء بأن المسرح بات جاهزاً لإحكام الطوق على إيران، وأن حلفاء إيران والجبهة التي تجمعهم بها في طريقها إلى التناثر إما بالملاحقة القضائية عبر ما بات يعرف بالقرار الظني المشبوه لمحكمة دولية تحركها غرفة سوداء ضد عناصر من حزب الله اللبناني، أو من خلال الإيحاء بأنهم يقتربون من هدف إبعاد سورية عن إيران على خلفية الملف العراقي، أو ملامسة ضرب العمود الفقري للمقاومة الفلسطينية من خلال الإجهاز على حكومة غزة!
هذه هي آخر نسخة من مؤامرتهم التي باتت مكشوفة ويعرفها القاصي والداني، وجوهر السيناريو الجديد المعتمد ابتداء من الخريف القادم هو عبارة عن مسلسل من الحلقات التآمرية التي تقوم على اتهام حلفاء إيران باغتيال الحريري، ومن ثم تتويج هذا المسلسل بأن الأوامر جاءت من إيران ولأهداف إيرانية، وسيكون النووي الإيراني إحدى الواجهات التي يتسلق عليها منظمو مسرح الفتنة الجديدة!
بعد ذلك يبدؤون بجس نبض جبهة المقاومة والممانعة طرفاً طرفاً، يتحرشون بلبنان أولا في محاولة لرسم سيناريو يشبه فتنة الاقتتال الطائفي العراقي، بعدها يبدأ الضغط على سورية، ومن ثم يتم تتويج كل ذلك بتحريض واسع على إيران باعتبارها الدولة المستقلة الوحيدة (المتفلتة) من التزامات الدولة العضو في المجتمع الدولي والخارجة على إجماعه وإذا أمكن التحرش بها نظامياً عبر هجمة إسرائيلية مباغتة لها أو لإحدى حليفاتها!
وكل ذلك قائم على تحليل طوباوي قدمه إليهم مجموعة من المفلسين والبائسين ممن يسمون أنفسهم بالمحللين الاستراتيجيين الكبار في علم الاستخبارات وجمع المعلومات ضمتهم على امتداد أشهر عديدة اجتماعات معهد بروكينز وسابان وغيرها من المعاهد الأميركية تحت عناوين مختلفة ومتنوعة يافطتها الرئيسية بأن إيران والمنطقة باتت ناضجة للتغيير ولم يبق سوى حزم أميركي للوقوف إلى جانب مخطط الكيان الصهيوني و(معارضة) الداخل الإيراني والباقي ليس سوى لعبة دومينو كفيلة بفك حلقات التحالف المقاوم والإطاحة بما يسمونه بالمشروع الإيراني المضاد!
إنه لأمر يثير الشفقة حقاً، أن يختفي عقلاء العالم جميعاً من المسرح الدولي ولا يبقى في الميدان إلا الغارقون في أحلامهم السوداوية البائسة، وهم يمسكون بالإعلام وأدوات الحرب النفسية وبعض من أجهزة ومؤسسات المنظمات الأممية بينها مجلس الأمن الدولي ظناً منهم بأن العالم الحقيقي هو هذا العالم الافتراضي والخيالي الذي يسبحون فيه!
نقول ذلك لأن الفرضية الأساسية التي يقوم عليها المسلسل الفكاهي والكاريكاتوري هذا، هي أن صناع القرار المقاوم في مربع الصمود الإيراني السوري اللبناني الفلسطيني سترتعد فرائصهم وتضعف هممهم وتخف إرادة التحدي عندهم مع تفعيل أول حلقة من حلقات السيناريو الآنف الذكر، ومن ثم يبدأ مسلسل التنازلات والتراجعات ولاحقاً الانهيارات التي عادة ما سيتبعها ظهور قوى محلية بديلة كما يتمنون، مستعدة لعقد التسويات المناسبة مع الغازي القادم من ما وراء البحار في مقدمة لعقد صفقة العمر الكفيلة بحماية أمن منظومة الكيان الصهيوني المعرضة لأول مرة في تاريخه للاهتزاز الجدي وفرضية الزوال!
وحدهم الرابضون على الجبهة الأمامية في الصراع، والقابضون على دينهم وثقافتهم وتراثهم الكفاحي بيد وعلى سلاحهم الدفاعي المتطور باليد الأخرى يعرفون تماماً كم هو كوميدي ومثير للشفقة مثل هذا السيناريو الذي يتم ترويجه الآن في إعلام العدو الناطق بالعبرية والانجليزية يوميا وبالعربية الفصحى أحياناً أخرى للأسف الشديد!
المطلعون على بعض خفايا الأمور يؤكدون بيقين العارف بأن مسرح المنازلة سيكون مليئا بالمفاجآت الميدانية إذا ما قرر الأغبياء والحمقى ارتكاب خطيئتهم التاريخية، ومليئا بمفاجآت أخرى لاتقل أهمية على مسرح الحرب النفسية التي عادة ما تسبق أي منازلة، والعاقل هو من يتعلم من أخطاء غيره ممن سبقوه أو من أخطائه هو كما يعيشها حاليا بالوقائع والأرقام، أما أولئك الذين لا يريدون هذا ولا ذاك ويظنون بأن العالم يقوم على قراءة الفنجان وتراكم الصدف وتجميع النقاط على ورق المحللين الاستراتيجيين الصفراء من جنسيات متعددة كما حصل في العراق وأفغانستان، فإننا نقول لهم: إن الحكيم ليس من يميز بين خيره وشره المنظور بل هو من يعرف خير الشرين ويلوذ بالفرار قبل فوات الأوان!
تشرين

